الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
208
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الناس : إنّ الواو في ردّ السلام تفيد معنى الزيادة فلو كان المسلّم بلغ غاية التحية أن يقول : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، فإذا قال الرادّ : « وعليكم السلام » إلخ ، كان قد ردّها بأحسن منها بزيادة الواو ، وهذا وهم . ومعنى ( ردّوها ) ردّوا مثلها ، وهذا كقولهم : عندي درهم ونصفه ، لظهور تعذّر ردّ ذات التحيّة ، وقوله تعالى : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها [ النساء : 176 ] فعاد ضمير « وهو » وهاء « يرثها » إلى اللفظين لا إلى الذاتين ، ودلّ الأمر على وجوب ردّ السلام ، ولا دلالة في الآية على حكم الابتداء بالسلام ، فذلك ثابت بالسنّة للترغيب فيه . وقد ذكروا أنّ العرب كانوا لا يقدّمون اسم المسلّم عليه المجرور بعلى في ابتداء السلام إلّا في الرثاء ، في مثل قول عبدة بن الطيب : عليك السلام اللّه قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحّما وفي قول الشمّاخ : عليك سلام من أمير وباركت * يد اللّه في ذاك الأديم الممزّق يرثي عثمان بن عفّان أو عمر بن الخطاب . روى أبو داود أنّ جابر بن سليم سلّم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : عليك السلام يا رسول اللّه ، فقال له : « إنّ عليك السلام تحية الموتى ، قل ، السلام عليك » . والتذييل بقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً لقصد الامتنان بهذه التعليمات النافعة . والحسيب : العليم وهو صفة مشبّهة : من حسب - بكسر السين - الذي هو من أفعال القلب ، فحوّل إلى فعل - بضمّ عينه - لمّا أريد به أنّ العلم وصف ذاتي له ، وبذلك نقصت تعديته فاقتصر على مفعول واحد ، ثمّ ضمّن معنى المحصي فعدي إليه بعلى . ويجوز كونه من أمثلة المبالغة . قيل : الحسيب هنا بمعنى المحاسب ، كالأكيل والشريب . فعلى كلامهم يكون التذييل وعدا بالجزاء على قدر فضل ردّ السلام ، أو بالجزاء السّيّئ على ترك الردّ من أصله ، وقد أكّد وصف اللّه بحسيب بمؤكّدين : حرف ( إنّ ) وفعل ( كان ) الدالّ على أنّ ذلك وصف مقرّر أزلي . [ 87 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 87 ] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ( 87 )